عظة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الراعي - بكركي

الأحد ١٦ تشرين أول ٢٠١٦

image


"هو العروس آتٍ، أخرجوا للقائه"

                                 (متى25: 6)

 

1. إنّها ساعة الواجب الذي يعود إلى كلّ واحد وواحدة منّا وفقًا لعمره وحالته ومسؤوليّته. القيام بالواجب في ساعته هو، في ضوء إنجيل اليوم، لقاء مع الله بشخص المسيح المشبَّه بالعريس. فالله حاضر فينا ومعنا لكلّ عمل صالح، ولقول الحقّ، ولموقف بنّاء، ولمبادرة مفرحة ومعزِّية ومشجِّعة. والله يأتي في حياتنا اليوميّة لهذه الغاية، وفي مساء الحياة للعرس الأبدي. نحن من جهتنا نجهل ساعة مجيئه، لكونه يأتي في وقت لا نتوقّعه. فيدعونا لنكون في حالة يقظة عند النداء، وفق الاستعارة الانجيليّة: "هو العروس آتٍ، أُخرجوا للقائه" (متى 25: 6).


2. يسعدنا أن نحتفل معًا بهذه الليتورجيا الإلهيّة، ملتمسين من المسيح الإله نعمة اليقظة لإدراك ساعة الواجب، ولا سيّما عندما نُصاب بضعف أو يأس، أو عندما تتآكلنا المصالح الخاصّة والفئوية، أو عندما نقيّد إتمام الواجب بشروط أو ظروف. ويطيب لي أن أرحّب بكم جميعًا، وأحيِّي الأخت فيفيان غوش من جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات التي نتعاون معها هنا في الكرسي البطريركي، وأحيِّي معها عائلة أختها المرحومة لوريس التي ودّعناها معهم منذ عشرة أيام. فنذكرها بالصلاة لراحة نفسها، ونجدّد التعازي لأسرتها وسائر أنسبائها.


3. لقد آلمتنا، كما جميع اللبنانيّين، الجريمة المروّعة التي حدثت الخميس الماضي في بلدة عشقوت العزيزة، إذ قتل بدم بارد الجاني طوني عبود، وهو مؤهَّل أوّل في الأمن العام، أربعة أشخاص هم: جان بول حبّ الله ووالده جان ووالدته إيزابيل، وجاره انطوان شدياق. إنّنا، إذ ندين أشدّ الإدانة هذه الجريمة تاركين للسلطة القضائية إنزال أقصى عقوبة بحقّه، نعرب عن تعازينا الحارّة لعائلات القتلى وآل حبّ الله، ولعائلة المرحوم انطوان شدياق، ولعموم عائلات غزير وعشقوت. إذا كان الضمير قد مات عند المجرمين خانقًا صوت الله في أعماقهم، فمن واجب الدولة حماية المواطنين من شرّهم وشرّ أمثالهم بإنزال العقوبة القصوى، لردع تكرار جرائم القتل التي تخالف وصية الرب "لا تقتل"، والتي تشكل اعتداء على الله نفسه.


4. في هذا الأحد السادس من زمن الصليب، الذي هو زمن المسيرة على وجه الدنيا نحو نهاياتها بالموت ودينونة الثواب والعقاب، يكلّمنا المسيح الربّ عن الموت الذي هو خاتمة لقاءاتنا اليوميّة مع الله، من خلال ظروف واجباتنا. يشبِّه الربُّ يسوع، بعرس الفرح والخلاص الأبدي، اللقاءَ مع الله عبر القيام بواجب الحالة. "العذراى الحكيمات"، يرمزن إلى الأشخاص اليقظين المدركين لواجبهم، وهم في جهوزية دائمة لإتمامه، أحرارًا من قيود الناس والشروط والظروف والحسابات الصغيرة. هؤلاء "دخلن مع العريس إلى قاعة العرس" (الآية 10). أمّا "الجاهلات" فظللن خارجًا (الآية 12). وهنّ يرمزن إلى المسؤولين غير المدركين لواجباتهم والذين سقطوا ضحيّة حسابات رخيصة، وقيود وأشخاص وظروف واعتبارات. "دخول قاعة العرس" يرمز إلى الخلاص الأبدي، "والمكوث خارجًا" إلى الهلاك الأبدي. إنّنا في مسيرة الدنيا نصنع إمّا خلاصنا وإمّا هلاكنا، من خلال القيام بالواجب الشخصي، واجب الحالة.


5. هذه الاستعارة الإنجيلية لا تفصل الشؤون الزمنية، بكلّ تنوّعاتها، عن كلمة الله، وعن العلاقة مع الله. فالطريق إلى الله نسلكها عبر واجباتنا على الأرض، في العائلة والكنيسة والمجتمع والدولة. فبحكم النظام الطبيعي تحتاج كلّ جماعة بشرية إلى سلطة من واجبها تنظيم شؤون الجماعة، وتأمين خيرها العام، وممارسة العمل السياسي. هذا يقتضي أن تخضع السلطة في ممارسة واجبها لنظام أخلاقي طبعه الله الخالق في قلب الإنسان، إذ كوّنه على صورته ومثاله. هذا النظام هو بمثابة النور للعقل البشري، وفي ضوئه وضوء واجب الحالة، يعرف الإنسان ما يجب عليه أن يفعل من خير، وما يتجنّب من شرّ (شرعة العمل السياسي، ص5).


6. إنّنا نرى، مع شعبنا الضائع والجائع والمهمَل والمخذول، أنّ نوّاب البرلمان اللبناني يتنكّرون لواجبهم الدستوري الملزم بانتخاب رئيس للجمهورية. فالدستور يقتضي في مادّتَيه 73 و74 إتمام هذا الواجب "حكمًا" و"فورًا". وبالتالي لا مجال لأيّ حقّ دستوري لتعطيل هذا الواجب، خاصّة وأنّ نتائجه مدمّرة للمؤسّسات ولمقوِّمات حياة الدولة الاقتصادية بكلّ قطاعاتها. فغياب الرأس يشلّ عمل الجسم، ويخلِّف الفوضى واستباحة كلّ مخالفة وتفشّي الفساد.


7. عند إنشاء "الميثاق الوطني" في 9 تشرين الثاني 1943، غداة إعلان استقلال لبنان ونهاية الانتداب الفرنسي، على يد "رائدَي الاستقلال" وممثِّلَي المسيحيِّين والمسلمين، رئيس الجمهورية آنذاك الشيخ بشاره الخوري، ورئيس مجلس الوزراء رياض بك الصلح، تكوّنت الأمّة اللبنانيّة، وقام هذا الميثاق على إسناد رئاسة الجمهورية إلى مسيحي ماروني، ورئاسة مجلس النوّاب إلى مسلم شيعي، ورئاسة الحكومة إلى مسلم سنّي، وفقًا لأحكام الدستور، وجاعلًا لبنان كطائر ذي جناحَين متساويَين مسيحي ومسلم. ثمّ كرّست "وثيقة الوفاق الوطني" سنة 1989 هذا الميثاق. فلا بدَّ من العودة إلى الميثاق والدستور نصًّا وروحًا من أجل القيام بالواجب الوطني الكبير، وهو انتخاب رئيس للبلاد. والمطلوب رئيسٌ جدير بتحمّل المسؤوليّة التاريخيّة، وبإعادة بناء الدولة بمؤسّساتها على أساس الدستور والميثاق الوطني؛ رئيسٌ يعمل جاهدًا وأساسًا من أجل المصالحة والوفاق وعودة الثقة بلبنان الدولة والوطن الذي يعلو كلّ اعتبار، وبين اللبنانيّين من مختلف الاتّجاهات؛ رئيسٌ معروف بثقافة الانفتاح وأصالة الانتماء يعيد لبنان إلى موقع الصداقة والتعاون والعلاقات السلميّة والسليمة مع أسرة الدول العربية والأسرة الدوليّة، على أساس من الاحترام والصدق والإنتاج. فلبنان، المميَّز بالتعدّدية الموحَّدة. والمؤمن بقضيّة العدالة والسلام، والباحث عن الأمن والاستقرار، لا يتحمّل الانحياز إلى محاور والانخراط في معسكرات إقليمية أو دوليّة.


8. لقد سئم الشعب اللّبناني ممارسةً سياسيّة منذ سنتَين وستّة أشهر، يبحث أصحابها تارةً عن سلّة وتارة عن تفاهمات. وهي تصبّ، في معظمها على ما يبدو، في خانة واحدة هي تقاسم حصص ومغانم على حساب الخير العام، بل على حساب لبنان وشعبه. وها هم ضائعون بين تفسيرات متناقضة لتصريح، وبين انتظارات لإعلان موقف ونوايا، فيما انتخاب رئيس للبلاد بات رهينةً لكلّ ذلك. ألا يستطيع أهل السياسة بعد هذا الفراغ الطويل من أخذ المبادرة الذاتية، اللبنانية-اللبنانية، والتركيز على ما يوحِّد، ونبذ ما يفرّق؟ لقد حان لهم أن يعودوا إلى لبنان.


9. وفيما نأمل أن تصل المحاولات الجارية إلى تفاهم على شخص الرئيس، وأن يتمّ انتخابه في جلسة 31 تشرين الاول الجاري، نتمنّى أن تسلّط "التفاهمات": على كيفيّة إيقاف الدَّين العام الذي وصل إلى 70 مليار دولار، ومع فوائد المبالغ المودعة فيه من قِبل المصارف إلى 100 مليار دولار! وعلى كيفيّة النهوض بالقطاع الصحّي لجهة كلفة الاستشفاء وتصنيف المستشفيات، ومعايير سقوفها المالية، وتشكيل هيكليّة إداريّة حديثة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي! وعلى كيفيّة تعزيز القطاع الزراعي، بتمويل المزارعين، والتغطية ضدّ الكوارث الطبيعية، وتأسيس غرف الزراعة والسجل الزراعي، والإرشاد ومراقبة مواصفات المستوردات الزراعية، وحماية التبادل الزراعي! ونتمنى ان يتفاهموا على كيفيّة النهوض بالقطاع الصناعي، بدعم أسعار الطاقة للمصانع، وتحفيز الاستهلاك الوطني، ودعم الرأسمال التشغيلي وأكلاف الشحن للصادرات وإنشاء مؤسّسة ضمان لها، وإطلاق الشراكة بين القطاعَين العامّ والخاصّ! وعلى كيفيّة اعتماد سياسة سياحيّة تثمّر مرتكزاتها اللبنانية المميَّزة لجهة الطبيعة والبيئة والمناخ والمورد البشري، ولجهة الحضارات والتاريخ الثقافي! وعلى كيفيّة تفعيل القطاع التجاري الذي تتراجع مؤشّراته بشكل سريع ومخيف! ويا ليتهم يتفاهمون على كيفيّة المحافظة على الشباب اللبناني وقوانا الحيّة وتحفيز قدراتها ومواهبها على أرض الوطن!


إنّ رؤساء الهيئات الاقتصادية الذين يجتمعون دوريًّا في الكرسي البطريركي يقدِّمون ملخَّصًا مكتوبًا وواضحًا عن وقائع كلّ قطاع وعن توصيات النهوض به، وهي استكمال "للمذكّرة الاقتصادية" التي أصدرناها في 25 أذار 2015. نأمل من الوزارات المعنيّة أن تستفيد منه.


وعند اتمام ذلك نستطيع ان نقول ان التفاهمات تأتي في محلها.


10. إنّ إداء الواجب في العائلة والكنيسة والمجتمع والدولة، واجبٌ مقدّس، يقدّس الإنسان وعمله. إنّنا نصلّي كي يمنحنا الله نعمة إدراك هذه القيمة في حياتنا. وإليه نرفع نشيد المجد والتسبيح، الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.

*   *   *




>> انقر هنا لمعاينة الصور 

PHOTOS: Patriarch Rai Sunday Mass_Bkerki_16.10.2016