كلمة البطريرك الراعي في رعاية تخرّج فوج “لبنان الحلم”


أخبار نشاط البطريرك

مدرسة سيدة اللويزة – 16 حزيران 2026

1. يسعدني أن ألبّي دعوة قدس الرئيس العام للرهبانية المارونية المريمية الأباتي إدمون رزق، ودعوة رئيس مدرسة سيدة اللويزة الأب حنّا الطيّار، لرعاية الاحتفال بتخرّج فوج «لبنان الحلم». وأحيّي ضيف الاحتفال الفنان جورج خبّاز. وأهنّئ المتخرّجين والمتخرّجات الذين ينهون المرحلة الثانوية، ويستعدّون لدخول الاختصاص الجامعي، وأشكر أهلهم على التضحيات التي يواجهونها، والهيئتين الإدارية والتعليمية على جهودهم السخية.

2. يتّخذ فوج التخرّج لهذا العام موضوع “لبنان الحلم”. فلبنان أكثر من رقعة أرضٍ تمتدّ بين البحر والجبل، وأكثر من كيانٍ سياسيٍّ ولد في لحظةٍ من لحظات التاريخ الحديث.، بل هو حلم إنساني وروحي وحضاري، ومختبر فريد للحرّيّة والتعدّديّة والعيش المشترك.

وحين نقول “لبنان الحلم”، لا نعني بذلك الهروب من الواقع إلى عالم الأمنيات، بل نعني تلك الصورة العميقة التي حملها المفكّرون والقدّيسون والبابوات والروّاد عن هذا الوطن. فالحلم ليس نقيض الحقيقة، بل هو الحقيقة قبل أن تولد، والمستقبل قبل أن يصبح حاضرًا.

أيها الخريجون الأعزاء، إنكم لا تغادرون اليوم مقاعد الدراسة لتبحثوا فقط عن مستقبلكم الشخصي، بل تحملون معكم مسؤولية المشاركة في تحقيق هذا الحلم اللبناني الذي لم يكتمل بعد. فلبنان الذي نحلم به ما زال ينتظر منكم أن تكونوا رجالاً ونساءً يؤمنون بأن الأوطان لا تُبنى بالحجارة أولاً، بل بالإرادة والعلم والنزاهة والإيمان. وإذا كانت الجدران ترفع البنيان، فإن القيم هي التي ترفع الأوطان وتحفظها وتعطيها معناها ورسالتها.

3. يُجمع العديد من الباحثين في الفكر السياسي والحضاري على أنّ لبنان لا يمكن فهمه من خلال حدوده الجغرافيّة فقط، لأنّ خصوصيّته تكمن في الفكرة التي يجسّدها. وقد عبّر القديس البابا يوحنا بولس الثاني في الإرشاد الرسولي «رجاء جديد للبنان» عن هذا المعنى عندما أكّد أنّ «لبنان أكثر من وطن، إنّه رسالة حرّيّة ومثال تعدّديّة للشرق كما للغرب». إنّ هذه العبارة ليست مجرّد وصفٍ أدبيّ، بل رؤية فلسفيّة ولاهوتيّة متكاملة. فالوطن الرسالة هو وطنٌ يتجاوز ذاته ليقدّم للعالم نموذجًا في إمكانيّة العيش معًا رغم الاختلافات الدينيّة والثقافيّة والسياسيّة.

ويذهب شارل مالك، في كتاباته حول رسالة لبنان ودوره الحضاري، إلى اعتبار أنّ قيمة لبنان الحقيقيّة لا تكمن في قوّته العسكريّة أو الاقتصاديّة، بل في قدرته على حماية كرامة الإنسان وحرّيّة الضمير. ويرى أنّ لبنان يفقد جوهره عندما يتحوّل إلى ساحة صراع، ويحقّق رسالته عندما يبقى مساحة لقاءٍ بين الإنسان والإنسان. ومن هنا نفهم أنّ الدفاع عن لبنان لا يبدأ من حماية الأرض فقط، بل من حماية الفكرة التي قامت عليها هذه الأرض.

4. إنّ لبنان الحلم هو لبنان الذي تكون فيه المواطنة أقوى من الطائفية، والكفاءة أقوى من المحسوبية، والحقّ أقوى من المصالح الخاصة، والحوار أقوى من التنازع، والرجاء أقوى من اليأس، والدستور أقوى من الأهواء، والخير العام أقوى من المكاسب الفردية. إنّه لبنان الحلم الذي نريده، لبنان الذي يستطيع فيه الشاب أن يحقّق ذاته دون أن يضطر إلى مغادرة وطنه، وأن يبني مستقبله دون أن يفقد ثقته بدولته.

يعلّمنا تاريخ لبنان أنّ الأوطان لا يصنعها المستسلمون، بل الذين يمتلكون شجاعة الرجاء. فهذا الوطن الذي عبر الحروب والمجاعات والانقسامات لم يبقَ قائمًا بقوّة البشر وحدها، بل لأنّ عناية الله رافقته وحفظت رسالته عبر الأجيال. فكلّما اشتدّت الظلمة، ظهر نورٌ جديد، وكلّما ظنّ كثيرون أنّه سيسقط، كان يقوم من جديد. فكلّ مرّة ظنّ كثيرون أنّ الوطن انتهى، كان ينهض من جديد لأنّ أبناءه آمنوا بما يمكن أن يكون، أكثر ممّا خافوا ممّا هو كائن.

هذا الرجاء يبقى الصخرة التي عليها بنى اللبنانيون تاريخهم. فالرجاء ليس شعورًا نفسيًّا عابرًا، بل موقف وجودي يجعل الإنسان مشاركًا في صناعة المستقبل بدل الاستسلام للواقع.

5. لا تسألوا فقط، أيها الخرّيجون والخرّيجات، ماذا يمكن أن يقدّم لكم لبنان، بل اسألوا أيضًا ماذا تستطيعون أن تقدّموا أنتم للبنان. فالوطن الذي تحلمون به لن يبنيه السياسيّون وحدهم، بل يبنيه الطبيب الأمين، والمهندس المبدع، والقاضي العادل، والمعلّم الرسولي، وكلّ إنسان يضع كفاءته في خدمة الخير العام. ومن هنا تبدأ رسالتكم الحقيقيّة، لا يوم الحصول على الشهادة، بل يوم تحويلها إلى التزام ومسؤوليّة وخدمة على أرض الوطن، ومن أجل الوطن.

لكن الهجرة، وإن حصلت اضطرارًا، فقد شكّلت إحدى أبرز الظواهر في التاريخ اللبناني الحديث. غير أنّ اللبناني، حين غادر وطنه، لم يتركه خلفه، بل حمله معه في قلبه وذاكرته. حمل قراه ولهجته وتقاليده وإيمانه وأحلامه، وزرع شيئًا من لبنان في كلّ أرضٍ وصل إليها. لذلك لم تكن الهجرة ابتعادًا عن الوطن بقدر ما كانت انتشارًا له، حتى أصبح لبنان حاضرًا في القارات الخمس من خلال أبنائه الذين نجحوا في العالم من دون أن يتخلّوا عن جذورهم.

وقد كتب ميشال شيحا أنّ لبنان لا يُقاس بعدد سكّانه المقيمين على أرضه، بل أيضًا بقدرته على أن يبقى حيًّا في قلوب أبنائه المنتشرين في أصقاع العالم. فلبنان بالنسبة إليه لم يكن مجرّد وطنٍ جغرافي، بل وطن فكرةٍ وثقافةٍ ورسالة. ولذلك فإنّ الانتشار اللبناني لم يكن مجرّد هجرة اقتصاديّة، بل امتدادًا لحضور لبنان في العالم. فالملايين من أبناء الانتشار ما زالوا يحملون صورة الوطن، ويعتبرون أنفسهم جزءًا من رسالته التاريخيّة.

6. فيا أيها الخرّيجون والخرّيجات، لا تَتَوَقَّفوا عَنِ الحُلْمِ بِلُبنانٍ يَكونُ فيهِ الإِنسانُ أَغلى مِنَ المصالِح. لا تَتَوَقَّفوا عَنِ الحُلْمِ بِلُبنانٍ يَسودُ فيهِ القانُونُ فَوقَ كُلِّ زَعامةٍ وَنُفوذ. لا تَتَوَقَّفوا عَنِ الحُلْمِ بِلُبنانٍ يَجِدُ فيهِ الشَّبابُ مُستَقبَلَهُم دُونَ أَن يُغادِروا أَرضَهُم. لا تَتَوَقَّفوا عَنِ الحُلْمِ بِلُبنانٍ تَكونُ فيهِ الكَفاءَةُ أَقوَى مِنَ الوَاسِطَة. لا تَتَوَقَّفوا عَنِ الحُلْمِ بِلُبنانٍ يَحمِلُ رِسالَتَهُ التَّاريخِيَّةَ كَجِسرٍ بَينَ الشَّرقِ وَالغَرب. لا تَتَوَقَّفوا عَنِ الحُلْمِ بِلُبنانٍ يَبقى مَنارَةً لِلحُرِّيَّةِ وَالكَرامَةِ وَالحِوار. لا تَتَوَقَّفوا عَنِ الحُلْمِ بِلُبنانٍ يَفتَخِرُ بِأَبنائِهِ المُقيمينَ وَالمُنتَشِرينَ عَلَى حَدٍّ سَواء.