تتولّى راعويّة المرأة، أمانةً للفقرة ٧٢ من الوثيقة التأسيسيّة للمسار السينودسيّ الحاليّ “دعوة ورسالة المرأة في تدبير ا… وحياة الكنيسة والمجتمع” (٢٠٢٣)، مسؤوليّة الحفاظ على الهويّة المارونيّة وتعزيزها ونقلها عبر الأجيال والسياقات المختلفة. فهذه الفقرة تبرز، بصورةٍ خاصّةٍ، دور المرأة كعنصرٍ أساسيٍّ في صون التُّراث الثَّقافي والروحيّ والكنسيّ للكنيسة المارونيّة، وفي ضمان نقله داخل العائلات والجماعات والمجتمعات. من هنا تأتي هذه الوثيقة كاستجابةٍ مباشرةٍ لهذه الرّسالة الموكولة إليها. إنّها ليست مجرّد بحثٍ نظريّ، بل هي تعبيرٌ عن دعوة الالتزام بحمل الأمانة: هي نتاج جهدٍ فكريّ وعمليٍّ يمكن من خلاله تبنّي هذه المسؤوليّة بوعيٍ تامٍّ، وتجسيدها في واقع الحياة الملموس.
يندرج هذا العمل ضمن سياقٍ أوسع من المسارات الكنسيّة والسينودسيّة، يشمل المجمع البطريركيّ المارونيّ (٢٠٠٣–٢٠٠٦)، والمسار السينودسيّ الكنسيّ حول المرأة، والسينودس العام الأخير حول السينودسيّة. وهو يتبنّى عن قصدٍ روح السينودسيّة ويعكسها، باعتبارها مسيرة سيرٍ معًا تقوم على الإصغاء، والتَّمييز، والمشاركة، والمسؤوليّة المشتركة. ومن هذا المنطلق، لا تُفهم هذه الوثيقة كنصٍّ مغلق، بل كمساهمةٍ مفتوحة وديناميّة في مسيرة كنسيّة مستمرّة.
كونها صيغت كعمل تأمّل والتزام، تقترح هذه الوثيقة مسارًا يتجلّى عبر مستويات متعدّدة من الحياة الكنسيّة: الفرد، والعائلة، والرّعيّة، والأبرشيّة، والمستوى المؤسّساتيّ. وهي لا تهدف فقط إلى توصيف الهويّة المارونيّة، بل أيضًا إلى مرافقة مسار إعادة التَّبنّي الواعي لها، تشجيعًا لالتزام واعٍ ومُعاش بهذه الهويّة في تفاصيل الحياة اليوميّة. وفي الوقت عينه، تدعو القارئ بشكلٍ صريحٍ إلى الدّخول في هذا المسار، وإلى التّساؤل والمساهمة بخبراته الشخصيّة والجماعيّة بما يغني هذه الهويّة ويجدّدها.
يرتكز المضمون المطروح في هذه الوثيقة على ثلاثة مكوّنات أساسيّة مستقاة من أعمال المجمع البطريركيّ المارونيّ (٢٠٠٣–٢٠٠٦)، تعبّر مجتمعةً عن الأبعاد الكنسيّة والروحيّة والثقافيّة للهويّة المارونيّة: ألا وهي الفضائل الرّهبانيّة (الفقر والطّاعة والعفّة)، والتقشّف والتعلّق بالأرض. لا يتمّ تناول هذه المكوّنات كمفاهيم مجرّدة، بل كحقائق حيّة تتطلّب فهمًا متجدّدًا وتجسيدًا عمليًّا في السّياقات المعاصرة. ومن المهمّ الإشارة إلى أنّ هذه المكوّنات لا تستنفد غنى الهويّة المارونيّة. هناك أبعادٌ جوهريّة أخرى، كاللّغة السريانيّة واللّيتورجيا، تبقى هي أيضًا عناصر مكوّنة بالقدر عينه، وتستدعي تأمّلاً خاصًّا في أعمال مكمّلة.
هذه الوثيقة هي ثمرة مسار متواصل من البحث والتَّمييز، تستند إلى دراسةٍ اعتمدت منهجيّة مزدوجة (كمّيّة ونوعيّة) حول الفضائل الرّهبانيّة، وإلى أبحاثٍ نوعيّة أُجريت مع شرائح متنوّعة داخل الجماعة المارونيّة، شملت الشّباب، والنّساء، والكهنة، والمكرّسين والمكرّسات، والأزواج، والأكاديميّين، مع الحرص على التَّنوّع داخل كلّ فئة، إضافة إلى استشارات مع خبراء، ومراجعة للنّصوص الكنسيّة الأساسيّة، ولا سيّما نصّ المجمع البطريركيّ المارونيّ (٢٠٠٣–٢٠٠٦). ومع أنّ هذه الدّراسات أفضت إلى بعض الرّؤى العمليّة، فإنّ الوثيقة لا تقدّم نفسها كدليلٍ توجيهيّ إلزاميّ، بل تعتمد مقاربة تأمليّة تفتح مجالاً للفهم والتَّمييز والتَّبنّي، وتدعو القارئ(ة) إلى الانخراط الفعّال في مضمونها عبر الإسهام بالتّفكير والتّأمّل في كلّ مرحلة.
يركّز كلّ قسم من الوثيقة على أحد هذه المكوّنات وفق بنيّة واضحة: يبدأ بتعريف مستمدّ من المجمع البطريركيّ المارونيّ (٢٠٠٣–٢٠٠٦)، ثمّ يعرض أبرز النّتائج المستخلصة من الأبحاث بما يعكس كيفيّة إدراك المشاركين لكلّ مكوّن وفهمه له وعيشه في خبرتهم اليوميّة، لينتقل بعد ذلك إلى اقتراح سبلٍ لتفعيله في السّياق المعاصر من خلال التّوصيات والمقترحات التي قدّمها المشاركون لعيش هذه المكوّنات اليوم. أخيرًا، يختتم كلّ قسم بإشارة روحيّة مستوحاة من أحد القدّيسين الموارنة. خلال كلّ هذه الأقسام، ليس القارئ مدعوًّا فقط إلى تلقّي المحتوى، بل أيضًا إلى التّفاعل معه عبر التّأمّل والتّساؤل والمساهمة برؤيته الشخصيّة. وبهذه الطّريقة، تسعى الوثيقة إلى الرّبط بين التّأمّل والخبرة المعاشة، وبين الفهم والممارسات العمليّة.
البطريركية المارونية